ابن كثير

92

البداية والنهاية

تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ) [ القصص : 56 ] وقد فخرت به وأنه أخف أهل النار عذابا ، وليس في الشر خيار ، ولا ينبغي لمؤمن أن يفخر بأهل النار ، وفخرت بأن عليا ولده هاشم مرتين . وأن حسنا ولده عبد المطلب مرتين ، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ولده عبد الله مرة واحدة ، وقولك إنك لم تلدك أمهات أولاد ، فهذا إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم من مارية ، وهو خير منك ، وعلي بن الحسن من أم ولد وهو خير منك ، وكذلك ابنه محمد بن علي ، وابنه جعفر بن محمد ، جداتهما أمهات أولاد وهما خير منك ، وأما قولك بنو رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال تعالى : ( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ) [ الأحزاب : 40 ] وقد جاءت السنة التي لا خلاف فيها بين المسلمين أن الجد أبا الام والخال والخالة لا يورثون ، ولم يكن لفاطمة ميراث من رسول الله صلى الله عليه وسلم بنص الحديث . وقد مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوك حاضر فلم يأمره بالصلاة بالناس ، بل أمر غيره . ولما توفي لم يعدل الناس بأبي بكر وعمر أحدا ، ثم قدموا عليه عثمان في الشورى والخلافة ، ثم لما قتل عثمان اتهمه بعضهم به ، وقاتله طلحة والزبير على ذلك ، وامتنع سعد من مبايعته ثم بعد ذلك معاوية ، ثم طلبها أبوك وقاتل عليها الرجال ، ثم اتفق على التحكيم فلم يف به ، ثم صارت إلى الحسن فباعها بخرق ودراهم ، وأقام بالحجاز يأخذ مالا من غير حله ، وسلم الامر إلى غير أهله ، وترك شيعته في أيدي بني أمية ومعاوية . فإن كانت لكم فقد تركتموها وبعتموها بثمنها . ثم خرج عمك حسين على ابن مرجانة وكان الناس معه عليه حتى قتلوه وأتوا برأسه إليه ، ثم خرجتم على بني أمية فقتلوكم وصلبوكم على جذوع النخل ، وحرقوكم بالنار ، وحملوا نساءكم على الإبل كالسبايا إلى الشام ، حتى خرجنا عليهم نحن فأخذنا بثأركم ، وأدركنا بدمائكم ، وأورثناكم أرضهم وديارهم ، وذكرنا فضل سلفكم ، فجعلت ذلك حجة علينا ، وظننت أنا إنما ذكرنا فضله على أمثاله على حمزة والعباس وجعفر ، وليس الامر كما زعمت ، فإن هؤلاء مضوا ولم يدخلوا في الفتن ، وسلموا من الدنيا فلم تنقصهم شيئا ، فاستوفوا ثوابهم كاملا ، وابتلى بذلك أبوك . وكانت بنو أمية تلعنه كما تلعن الكفرة في الصلوات المكتوبات ، فأحيينا ذكره وذكرنا فضله وعنفناهم بما نالوا منه ، وقد علمت أن مكرمتنا في الجاهلية بسقاية الحجيج الأعظم ، وخدمة زمزم ، وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا بها . ولما قحط الناس زمن عمر استسقى بأبينا العباس ، وتوسل به إلى ربه وأبوك حاضر ، وقد علمت أنه لم يبق أحد من بني عبد المطلب بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا العباس ، فالسقاية سقايته ، والوراثة وراثته ، والخلافة في ولده ، فلم يبق شرف في الجاهلية والاسلام إلا والعباس وارثه ومورثه ، في كلام طويل فيه بحث ومناظرة وفصاحة . وقد استقصاه ابن جرير ( 1 ) بطوله والله سبحانه أعلم .

--> ( 1 ) انظر الطبري 9 / 211 وما بعدها وابن الأثير 5 / 538 باختلاف في بعض الألفاظ وزيادة ونقصان بعض العبارات .